الكرد: بين الكمالية والعثمانية الجديدة
19/10/2010, 12:00 (GMT+1)

بعد قدوم حزب العدالة والتنمية عام 2002 ورغم جذوره الإسلامية والشكوك التي يثيرها بعض خصومه لناحية وجود أجندة خفية عند الحزب رغم إعلاناته باحترام العلمانية التركية وعدم خلط الدين بالحكم، فإن المكون الأساسي للسياسة الخارجية التي تبناها الحزب كان في مضاعفة الجهد للحصول على عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. وقد حقق الحزب في هذا الاتجاه، أي اتجاه أوربة تركيا، ما لم تحققه الأحزاب العلمانية التي سبقته في الحكم خلال عقود طويلة ماضية. فقد عمل حزب العدالة والتنمية على تحقيق كثير من الشروط التي يضعها الاتحاد الأوروبي، وأهمها تحسين أوضاع حقوق الإنسان وايقاف الانتهاكات والتعذيب في السجون، والأهم من ذلك الاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد كأقلية قومية.
لكن وبموازاة ترسخ التوجه الأوروبي في حقبة رجب طيب أردوغان وعبدالله غل فإن بعداً جديداً دخل على السياسة الخارجية التركية التقليدية، وهو التوجه نحو الجوار الشرق أوسطي والانخراط الواعي في قضايا المنطقة. فخلال السنوات القليلة الماضية طورت أنقرة علاقاتها مع العراق وإيران وسورية ومصر، ودخلت على خط الصراع العربي - الإسرائيلي، وكرست حضورها في منظمة المؤتمر الإسلامي. ويرى تاسبينار أن هذا التوجه يعكس ما يصفه كثيرون ببروز العثمانية الجديدة والتي تعني توجه تركيا نحو الشرق، لكن من دون أن ينطوي ذلك على نزعات إمبريالية أو توسعية أمبرطورية. وبحسب تحليله فإن سياسة حزب العدالة والتنمية انفكت من أسار الهم الكردي وتوسعت إلى قضايا أخرى لكن من دون التقليل من أهمية ومركزية ذلك الهم في تكوين وتوجيه السياسة الخارجية. ويجادل تاسبينار بوجود نظرة مختلفة عند حزب العدالة والتنمية إزاء القضية الكردية تتجاوز الصرامة الكمالية القومية، وتحاول إدخال مكون التوافق مع الأكراد ضمن هوية تركية إسلامية فضفاضة وليس هوية تركية قومية متشددة. ويشير هنا إلى بعض السياسات التي اتخذها حزب العدالة والتنمية إزاء الأكراد بخاصة في الأناضول وابتعدت في معظمها عن التصلب القومي الذي كانت تتسم به الكمالية ضدهم بشكل عام. وهكذا فإن أسبينار يرى أن الموقف من القضية الكردية هو الذي يفرق بين جوهر الكمالية التقليدية العثمانية الجديدة، ذلك أنه في حين كانت تلك القضية تختزل البعد الشرق أوسطي في السياسة الخارجية التركية، فإنها اليوم لم تعد كذلك فقد تجاوزتها العثمانية الجديدة وأضافت إليها أبعاداً وقضايا أخرى.
لكن ورغم صحة ما يقوله الباحث إزاء اتساع نطاق السياسة الخارجية التركية الأردوغانية وتخطيها لما وراء القضية الكردية فإن التفريق بين الكمالية و العثمانية الجديدة على أساس الموقف من تلك القضية يحتاج إلى إعادة نظر. ذاك أن جوهر موقف حزب العدالة والتنمية من الأكراد والقضية الكردية، على المستوى السياسي والاستراتيجي والعسكري، وليس الأخلاقي والشعاراتي، لا يختلف كثيراً عن الموقف التقليدي الكمالي. بل يمكن فهم العثمانية الجديدة، أي إنفتاح السياسة الخارجية نحو الشرق الأوسط والعلاقات الجديدة مع إيران وسورية والعراق على وجه التحديد، منطلقة من القلق المتعاظم حيال القضية الكردية. فبعد سنة واحدة من وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم أصبح وضع أكراد العراق باعثاً لكل أنواع القلق والتخوفات في أنقرة، بخاصة بعد سقوط نظام صدام والتدخل الأميركي وحصول أكراد العراق على وضع شبه سيادي في شماله، بل وإمكانيات تطور هذا الوضع باتجاه دولة أو شبه دولة مستقلة. ومن الطبيعي أن يقود ذلك إلى تحليل في قلب صناعة القرار السياسي التركي يحوم حول الإمكانيات الكبيرة لتأثر أكراد تركيا بالتحولات الجديدة، وانفتاح الوضع على احتمالات، من بينها مطالبة اكراد الأناضول بوضع مماثل لاخوانهم في شمال العراق. على ذلك بالإمكان القول إن الانفتاح الواسع للسياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية لم يكن بهدف تجاوز الهم الكردي بل مدفوع به ولمحاصرته من كل الجهات. فقد أيقنت أنقرة أنه مع الوضع الجديد في العراق وتمتع الأكراد بوضع متقدم فيه، وانفتاح إيران على الوضع الجديد وتأثيرها المباشر فيه، يصبح من الصعب إن لم يكن من الغباء الإبقاء على سياسة الانعزال الخارجية شرق أوسطيا، وعدم صوغ سياسة جديدة تأخذ بالاعتبار المتغيرات الحادة الجديدة.
وهكذا فإننا في الواقع أمام كردية جديدة أكثر من أن نكون أمام عثمانية جديدة. المكون الجديد في القضية الكردية على مستوى الإقليم هو الذي دفع نحو تطور وتطوير سياسة خارجية جديدة في أنقرة. وهذا لا ينفي وجود استعداد مختلف ومستجيب عند حزب العدالة والتنمية لتطوير هذه السياسة الجديدة. لكن رد هذه السياسة إلى عامل شبه ايديولوجي داخلي ورغبة الحزب في بناء عثمانية جديدة يحتاج إلى إعادة نظر.
الموقف السياسي والعسكري والإستراتيجي الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية تجاه الأكراد لا يقل صرامة وتشدداً في جوهره النهائي عن موقف الأحزاب التركية الأخرى. وتمثل هذا الموقف في الحملات العسكرية الواسعة والضربات الشرسة التي قامت بها حكومة الحزب ضد الأكراد. ويمكن القول هنا إن هذا الموقف المتشدد ساهم في الإبقاء على وجود الحزب في الحكم وإرضاء المؤسسة العسكرية التي لا تساوم في المسألة الكردية وتعتبرها الخطر الأهم على الأمن القومي التركي ووحدة البلاد.
وبعيداً عن الطبقة الرقيقة للأخلاقيات والمسلكيات التي يقدمها حزب العدالة والتنمية سواء إزاء القضية الكردية أو بعض القضايا الكبرى المتعلقة بتكوين وشكل تركيا المعاصرة، فإنه يمكن الزعم بأن الأردوغانية هي نسخة مخففة من الكمالية، وليست تماماً انتقالاً بتركيا إلى ما بعد الكمالية، وهذا هو سبب نجاحها حتى الآن. الكمالية قامت على أركان عدة أساسية أهمها إبعاد الدين عن الحكم، وتشكيل قومية تركية اندماجية لا تعترف بالأقليات بل تصهرها في بوتقة الوحدة القومية، والتوجه نحو أوروبا. الأردوغانية تقبل وتصر على إبقاء الدين بعيدا عن الحكم، وتتبنى موقفاً قومياً يختلف من ناحية الدرجة وليس من ناحية المضمون عن الكمالية برفضها التعددية الثقافية والإثنية داخل تركيا (بدليل الموقف من الأكراد والعلويين، وحتى مواصلة إنكار المذابح ضد الأرمن)، وهي أيضاً تنظر إلى عضوية الاتحاد الأوروبي كحجر الأساس في السياسة الداخلية والخارجية التركية. وفي المجمل فإن الهم الكردي شكل ولا يزال يشكل أهم عناصر البنية التحتية لسياسة الأمن القومي التركي وللسياسة الخارجية التركية الإقليمية.
شام
ئەو بابەت و هەواڵانەی کە ناوی نووسەرەکانیان دیار و ئاشکرایە، تەنیا نووسەرەکەی بەرپرسیارە، نەک کوردستانپۆست
بابەتی دیکە
بابەتە پڕبینراوەکان





















